صديق الحسيني القنوجي البخاري

22

فتح البيان في مقاصد القرآن

ندمه وحسرته . عَنِ الذِّكْرِ أي : القرآن أو كتاب اللّه ، أو ذكره أو الموعظة أو كلمة الشهادة أو مجموع ذلك . بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وتمكنت منه ، وقدرت عليه بأن ردني عن الإيمان به وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا بأن يتركه ، ويتبرأ منه عند البلاء ، والخذل : ترك الإغاثة ، ومنه خذلان إبليس للمشركين ، حيث يوالونه ، ثم يتركهم عند استغاثتهم به ، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، ويحتمل أن تكون من كلام اللّه تعالى ، أو من تمام كلام الظالم ، وأنه سمى خليله شيطانا بعد أن جعله مضلا ، أو أراد بالشيطان إبليس ، لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين . وَقالَ الرَّسُولُ أي : يقول في يوم القيامة بثا وشكاية للّه مما صنع قومه ، أو هو حكاية لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في الدنيا : يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به مَهْجُوراً أي : متروكا ، لم يؤمنوا به ، ولا قبلوه بوجه من الوجوه أو لم يعملوا به . وقيل من هجر إذا هذي ، والمعنى أنهم اتخذوه هجرا وهذيانا . وقيل : المعنى مهجورا فيه ، وهجرهم فيه قولهم : إنه سحر ، وشعر ، وأساطير الأولين . وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، والمعنى : أن اللّه جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى اللّه عدوا يعاديه من مجرمي قومه فلا تجزع يا محمد ، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك ، واصبر كما صبروا . قال ابن عباس في الآية : كان عدو النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أبو جهل ، وعدو موسى قارون ، وكان قارون ابن عم موسى وَكَفى بِرَبِّكَ الباء زائدة هادِياً يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا وَنَصِيراً ينصرهم على الأعداء . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم ، أي : هلّا أنزل اللّه عليه الكتاب دفعة واحدة غير منجم ، كما أنزلت التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، والزبور على داود عليهم السلام . واختلف في قائل هذه المقالة ، فقيل كفار قريش ، وقيل اليهود قالوا : هلّا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة ؟ وهذا زعم باطل ، ودعوى داحضة ، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن ، ولكنهم معاندون ، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب اللّه سبحانه على أنبيائه ، واعتراض منهم لا طائل تحته ، لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو متفرقا ، مع أن للتفريق فوائد ، منها أن نزوله بحسب الوقائع ، يوجب مزيد بصيرة وغوص على المعنى ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك في قوة قلبه ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة ثم ردّ اللّه سبحانه عليهم فقال :